أوميانا
هل سبق لكم أن شاهدتم أطفالاً يبتسمون دون سبب أثناء نومهم؟ وفقاً لمعتقد تركي قديم يمتد من الأناضول إلى آسيا الوسطى، فإن الطفل في تلك اللحظة ليس وحده؛ بل إنه يتحدث إلى «أوماي آنا»، أقدم وأرحم حامية في الأساطير التركية.
ورغم أن «أوماي آنا» أصبحت اليوم على وشك أن تُنسى، إلا أنها ظلت على مدى آلاف السنين تُعتبر في الثقافة التركية الحامية الأعظم للحياة والوفرة والأمهات والأطفال. تُعد «أومي آنا» النظير في الثقافة التركية لشخصيات «أم الأرض» أو «الإلهة الأم» الموجودة في الثقافات الأخرى. فمن هي هذه الشخصية الإلهية الأنثوية لدى الأتراك، وما هو الأثر الذي تركته في ثقافتنا؟
روح حماية الحياة والأطفال
ترمز «أوماي آنا» في الأساطير التركية بشكل مباشر إلى طاقة الحياة والخصوبة. وهي الدرع غير المرئي الذي يحمي النساء الحوامل والولادات حديثات الولادة والأطفال الذين لم يتعرفوا على العالم بعد. ووفقًا للمعتقدات المذكورة؛ عندما يبكي الطفل دون سبب، فإن «أوماي آنا» تكون قد ابتعدت عنه، وعندما يبتسم، فإنها تعتني به بحنان.
يُعتقد أنها لا تحمي الجنس البشري فحسب، بل الطبيعة والحيوانات أيضًا. فهي تمنح الحياة للكائنات بقطرات الحياة التي تجلبها من «بحيرة الحليب المقدسة»، وتنشر البركة على الأرض.
الشعر الفضي، والتاج ثلاثي الزوايا، والطيور البيضاء
في النصوص والرسوم القديمة، تُصوَّر «أوماي آنا» على أنها امرأة جميلة تنشر النور حولها، ذات شعر طويل فضي اللون، وترمز إلى الرقة بثوبها الأبيض. وتضع على رأسها تاجًا مقدسًا ثلاثي الزوايا.
وعندما ترغب في النزول إلى الأرض من حين لآخر، تتخذ شكل طائر أبيض أو بجعة. ولهذا السبب، فإن الامتناع عن إيذاء الطيور في الثقافة التركية واستخدام زخارف الطيور في جميع المجالات، من السجاد إلى الحلي، هو انعكاس للاحترام الذي يُكنّ لأومي آنا.
القداسة المنقوشة على الحجارة: أومي في نقوش أورهون
تظهر «أوماي آنا» ليس فقط في الأساطير الشفوية، بل أيضًا في أول الوثائق المكتوبة للتاريخ التركي. في نقوش أورهون (نقش كول تيجين)، عند سرد أهمية «إيلبيليغ خاتون»، والدة كول تيجين، للدولة، ترد العبارة التالية:
«أومي تيغ أوغوم كاتون كوتينغا…»
(لحظ/قداسة السيدة مثل أومي…)
تُثبت هذه الأسطر المكانة المقدسة التي تحتلها «أومي آنا» ليس فقط داخل البيوت، بل أيضًا في مصير الدولة والخانات. كما نقل عالم اللغويات الكبير محمود الكاشغاري في مؤلفه «ديوان لغات الترك» استمرارية هذا الاعتقاد عبر العصور بقوله: «المرأة التي تعبد أومي تنجب طفلاً».
آثار وصلت إلى عصرنا: «ألكاريس» وتقاليد ما بعد الولادة
على الرغم من تغير الأنظمة العقائدية بمرور الزمن، إلا أن آثار «أومي آنا» استمرت في البقاء حية في تقاليد الأناضول. وفي يومنا هذا، فإن العادات مثل ربط الشريط الأحمر على رأس المرأة التي أنجبت حديثًا (حماية «الباسمي»)، وإبقاء الأضواء مضاءة في الغرفة، أو عدم ترك المرأة بعد الولادة بمفردها، هي في الواقع امتداد لطقوس استدعاء روح «أومي آنا» الحامية وإبعاد الأرواح الشريرة («ألكاريس»).
إرث الرحمة الموروث للمستقبل
تُعد «أوماي آنا» الرمز الأكثر تجسيدًا للقيمة التي توليها الثقافة التركية للمرأة والأم والطبيعة. هذه الشخصية الإلهية، التي يستمد قوتها ليس من التدمير بل من الإنجاب والحياة والحماية، هي واحدة من أروع تراثنا الممتد من ماضينا إلى مستقبلنا.
فإذا رأيتم في المرة القادمة طفلاً يبتسم في نومه، تذكروا هذه الأسطورة القديمة التي تعود إلى آلاف السنين: «أومي آنا» لا تزال تؤدي دورها.

اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية لتبقى على اطلاع على المحتوى الذي نعده حول علاجات أطفال الأنابيب، والصحة الإنجابية، وآخر المستجدات من «أوماي».